parallax background

عبدالله أوجالان: تحرير الجنسوية الاجتماعية

عبدالله أوجالان: السلطة في الحداثة الرأسمالية
May 6, 2018

تتصدر المرأة ونظام العلاقات والتناقضات المتشكل حولها، قائمة الظواهر الواجب معالجتها بشكل منفرد، إلى جانب تكوين مضمون الدمقرطة

 
بما يضاهي ما عليه مسألة توازنات السلوكيات المشاعية والديمقراطية. حيث ثمة إجماع عام في كافة المواقف العلمية والأخلاقية والسياسية، يفترض مسبقاً بأن ما تعانيه المرأة هو من دواعي طبيعتها. والمؤسف أكثر هو أن المرأة أيضاً اعتادت على قبول هذه البراديغما طبيعياً. فطبيعية وقدسية القوالب الثابتة المفروضة على الشعوب منذ آلاف السنين، باتت محفورة في كل خلايا ذهنية المرأة وجميع تصرفاتها، وبأضعاف مضاعفة. وبقدر ما تم تأنيث الشعوب، اتسمت المرأة أيضاً بالشعبوية. وعندما قال هتلر "الشعوب كالنساء"، إنما قصد هذه الحقيقة. لدى تناولنا ظاهرة المرأة بعمق أكبر، سندرك أنها عومِلت كنَسَب وطبقة وأُمَّة، لتتجاوز كونها جنساً بيولوجياً. النَّسَب والطبقة والأُمَّة الأكثر انسحاقاً. من المهم الإدراك أنه ما من نَسَب أو طبقة أو أُمَّة أُلحِقت بعبودية منتظمة بقدر الأنوثة. لم يُدوَّن بعد تاريخ عبودية الأنوثة. أما تاريخ الحرية فلا يزال ينتظر التدوين. يرتبط إبقاء عبودية المرأة في غياهب الظلام الغائرة، بالسلطة الهرمية والدولتية المتصاعدة في المجتمع، عن كثب. حيث أُسِّسَت الهرميات (الإدارات المقدسة صاحبة الامتيازات)، وفُتِحَت درب العبودية أمام شرائح المجتمع الأخرى، مع تعويد المرأة على العبودية. يأتي استعباد الرجل بعد استعباد المرأة. وثمة جوانب لعبودية الجنس، تختلف عن عبودية الطبقة والأُمَّة. فبالإضافة إلى وسائل القمع الدقيقة والكثيفة لإضفاء المشروعية عليها، يتم ترسيخها عبر الأكاذيب والتلفيقات المشحونة بالعواطف. وتُستثمَر الفوارق البيولوجية وكأنها ذرائع للعبودية. كل ما تقوم به المرأة يؤخذ بعين الاستخفاف، وكأنه "عمل أنثوي" لا قيمة له. ويُطرَح تواجدها في كل ميادين المجتمع العامة على أنه محظور دينياً ومُعيب أخلاقياً. هكذا تُبعَد تدريجياً عن كافة النشاطات الاجتماعية المهمة. ومع انفراد الرجل بالنشاطات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كقوة مهيمنة، يتمأسس ضعف المرأة وهزلها. ويتم تشاطر مفهوم "الجنس الضعيف" كعقيدة راسخة. بعد أن تتكدس كافة إمكانيات وموارد القوة المادية والمعنوية بيد الرجل، تغدو المرأة كياناً مِربَط رأسه بيد الرجل، ترتجيه أحياناً، وتدوس على عزتها وكرامتها لترضى بقدرها أحايين أخر، وتغتاظ من الحياة دائماً وتعبَس لها؛ لتتقمص رداء الصمت العميق. وبمعنى من المعاني، يمكننا وصفها بالميت الحي. بإمكاننا إبراز الظاهرة أكثر عبر عدة تشبيهات: التشبيه الأول: العصفور الذي داخل القفص. فأحياناً يكون العصفور بديعاً ومزخرفاً كالكناري. وأحياناً يكون ذا صوت جميل كالبلبل. كل واحد يُشَبِّه المرأة بعصفور حسبما يرتأيه هو. وغالباً ما يقال فيها: عصفور الدوري. التشبيه الثاني: القطة التي تموي دائماً في قعر بئر بلا قاع. حيث يستأهلها صاحبها ويدجِّنها جيداً بتغذيتها على بقايا الطعام. قد يكون تشبيهاً فظاً، لكن، ثمة ضرورة ساطعة لإبداء مساعي علمية وأدبية متعددة الاتجاهات، بغرض استيعاب مدى عمق العبودية القائمة. لقد أُسِّس مجتمع جنسوي إلى أبعد الحدود. والفظاظة الحقيقية تكمن في الموقف التالي: بينما يُعتَبَر اغتصاب الرجل للمرأة عنوة بأنه بطولة، وبينما يتلذذ الرجل بذلك ويغتبط لآخر درجة؛ تواجه المرأة كل أنواع الإجحاف بحقها؛ بدءاً من رجمها بالحجارة حتى الموت، وحتى حبسها في بيوت الدعارة، والحكم عليها بعدم الدخول ثانية إلى المجتمع. والفظاظة الأخرى هي: بينما يعتز الرجل بعضوه الجنسي ويتباهى، تكون الأعضاء الجنسية للمرأة مصدر خجل وحياء وعار. لم يتوانَ أحد عن استثمار أبسط الفوارق الجسدية على حساب المرأة. بل وغدا كونها "امرأة" موضوع حياء وخجل. حتى في العشق – الذي يُزعَم بأنه عاطفة مقدسة بحاله هذه – ما تعيشه المرأة ليس سوى فرض الرجل ذاته عليها بكل عمى وتهور. أما البنات الصغيرات، فتعانين الازدراء والاشمئزاز على الدوام. التساؤل الواجب طرحه هنا: لِمَ كل هذه العبودية الغائرة؟ والرد عليه منوط – بكل تأكيد – بظاهرة السلطة. فطبيعة السلطة تتطلب العبودية. فإذا ما كان نظام السلطة بيد الرجل، فلن يكتفي بتشكيل قسم – فقط – من الجنس البشري حسب تلك السلطة، بل والجنس برمته. فكيفما يرى أصحاب السلطة في حدود الدولة حدوداً لبيوتهم، ويُحِقّون لذاتهم القيام بكل الممارسات ضمنها؛ ففي العائلة – التي هي النموذج المصغر لهم – أيضاً يرى الرجل أنه من حقه ممارسة أي عمل (بما فيه القتل إن رأى داعياً لذلك)، باعتباره صاحب السلطة. إن المرأة المنعكفة في البيت مُلك قديم وغائر، لدرجة أن الرجل يقول فيها "إنها لي" بكل عواطفه الاستملاكية اللامحدودة. في حين أن المرأة (المقيَّدة بذريعة الزواج) لا تجرؤ على الزعم بأبسط حق لها على الرجل. أما الرجل فحقوقه على المرأة والأطفال لا تعرف الحدود. يجب البحث عن المصدر الأولي للمُلكية – مرة أخرى – في العائلة، وفي التصرف بالمرأة بكل عبودية. حيث تكمن في مصدر المُلكية المرأةُ المستعبَدة. والعبودية والمُلكية المنتشرة في المرأة، تتفشى على موجات متتالية لتعم كل المستوى الاجتماعي. هكذا تُرسَّخ كلُّ عاطفة أو فكرة للمُلكية والعبودية، في البنية الذهنيةِ والسلوكيةِ للفرد والمجتمع. ويُؤقلَم المجتمع مع كافة أشكال البنى الهرمية والدولتية. هذا ما معناه بدوره، سيرورة كافة أنواع البنى المسماة بالطبقية بكل سهولة، بعد اكتسابها مشروعيتها. هكذا، لا يكون الخاسر هو المرأة لوحدها، بل والمجتمع برمته، عدا حفنة من القوة الهرمية والدولتية. لا أهمية ملحوظة لمراحل الأزمات الخاصة بالنسبة للمرأة. فهي بالأصل تعيش أزمات مستمرة. المرأة تعني الهوية المتأزمة. المسألة الوحيدة الباعثة على الأمل في خضم فوضى النظام الرأسمالي المعاشة اليوم، هي كون ظاهرة المرأة قد سُلِّط عليها الضوء، ولو بمحدودية. فالفامينية ساهمت بشكل بارز في إظهار حقيقة الأنوثة في الربع الأخير من القرن الأخير؛ وإن لم يكن بشكل مكتمل. وبما أن فرصة التغيير لكل ظاهرة تتزايد مع تصاعد التنوير العالي لها في الفوضى؛ فقد تنمُّ الخطوات التي ستُخطى لصالح الحرية عن انطلاقات وثابة نوعية، وقد تنفذ حرية المرأة من الأزمة الحالية بمكاسب عظمى. من الضروري أن تجد حرية المرأة إطاراً وأفقاً مناسباً لتعريف الظاهرة. فقد لا تعني الحرية والمساواة الاجتماعية العامة حرية ومساواة مباشرة بالنسبة للمرأة أيضاً. الأساس هنا هو المساعي والتنظيم الخاص. وأيضاً، قد تَمُد حركة الدمقرطة العامة المرأة ببضعة فرص وإمكانيات. لكنها لا تجلب لها الديمقراطية تلقائياً. على المرأة أن تبذل مساعيها وتؤسس تنظيمها وتحدد أهدافها الخاصة بها بالذات. ثمة حاجة أولية – قبل أي شيء آخر – لتعريف الحرية بما يقابل حالة العبودية المعششة والمترسخة في المرأة. لقد تطورت قدرة النظام الرأسمالي الخارقة على تطوير الأدوار والخيالات والتصورات الزائفة عوضاً عن الحقيقة، بنسبة كبرى؛ بحيث ساوى بين النشاطات الأكثر حطاً من شأن المرأة (كالأدب والفن الإباحي على سبيل المثال)، وبين الحرية. رغم وجود العديد من العناصر المهمة في مساعي وجهود الفامينية، إلا إنها لا تزال بعيدة عن تخطي آفاق الديمقراطيات ذات النواة الغربية. وبالأساس، يصعب على المرء القول بأنها استوعبت شكل الحياة التي كونتها الرأسمالية بشكل كامل. فما بالك بتخطيها إياها! يستذكرنا هذا الوضع بمفهوم الثورة الاشتراكية لدى لينين. فرغم هذا الكم الهائل من الجهود الدؤوبة، ورغم العديد من الخنادق والمواقع المكتسبة بعد صراع مرير؛ إلا أن اللينينية لم تتخلص في المحصلة من تقديم أثمن المساهمات إلى الرأسمالية من الجانب اليساري. وقد تلقى الفامينية أيضاً عواقب مشابهة. فافتقار مناضلية المرأة إلى الدعامة التنظيمية المتينة، وعجزها عن تطوير فلسفتها بشكل تام؛ إنما يثبط من عزمها على مواجهة المصاعب. ولربما لا يؤدي حتى إلى تأسيس "الاشتراكية المشيدة" لجبهة المرأة. مع ذلك، فمن الأصح النظر إليها كخطوة جدية وحقيقية، من ناحية لفت الأنباه إلى المشكلة القائمة. لا جدال في أن للمرأة طبيعتها، مثلما هي حال كل موجود جنسي. ومع تزايد البراهين مع مرور الأيام في حوزة علم البيولوجيا، تزداد مؤازرته لكون المرأة – كجنس بيولوجي – عضواً مركزياً أبعد من إطار المجتمعية. باختصار، إلى جانب أن جسد المرأة يشمل الرجل، فإن العكس غير صحيح. أي أن جسد الرجل لا يمكن أن يشمل المرأة. من هنا نفهم أن الرجل مخلوق من المرأة؛ على خلاف ما ادعته الكتب المقدسة بخلق المرأة من الرجل. فـ"كروموسومات" (صبغيات) المرأة أكثر مما للرجل منها. حتى الدورة الشهرية (الحيض)، التي يُنظَر إليها كسوء طالع للمرأة؛ يجب اعتبارها مؤشراً قاطعاً على مدى حساسية ورِقّة علاقة المرأة بالطبيعة. يجب النظر إلى نزف الرحم كتدفق للحياة الطبيعية المستمرة التي لم تنضب بعد. أي أن جذور شرايين الحياة وعروقها لم تنضب أو تجف بعد. واستمرارها دليل على إرادتها. هكذا يجب استيعاب الأمر. أي أن ما يقال عنه بأنه أمراض المرأة، ليس سوى ظواهر الحياة بعينها. وهي تنبع من تمثيل المرأة لمركز الحياة ونواتها. إن مشاكل الحياة المعقدة والمتشابكة تجري في رحم المرأة، في بطنها. والوليد المتولّد منها، والحبل السرّي، أشبه بالحلقة الأخيرة لسلسلة الحياة. مقابل هذه الحقيقة، يبدو الرجل وكأنه ملحق بالمرأة، وامتداد لها. وما يؤكد صحة هذه الظاهرة هو عواطف الحسد والغيرة المفرطة لدى الرجل، والتي لا معنى لها ولا أصل. فبينما تقف طبيعة المرأة أكثر وثوقاً من نفسها إزاءه، لا يهدأ للرجل بال ولا يعرفه السكون. وكأنه بلاء مسلَّط على المرأة، يجول في أطرافها. كل هذه الملاحظات تشير إلى أن جسد المرأة ليس مشحوناً بالضعف، بل هو المركز والنواة. انطلاقاً من ذلك، على المرأة أن ترفض، وعلى الفور، تعريف "الناقصة، المريضة" الذي فرضته عليها ثقافة الرجل الحاكم. وعليها أن تُشعِر الرجل بأن العكس هو الصحيح. ونحن نشيد بهذه الحقيقة عندما نقول بضرورة ثقتها بنفسها فيما يخص جسدها. النتيجة الطبيعية لهذا التكوين الجسدي هي كون الذكاء العاطفي لدى المرأة أقوى. الذكاء العاطفي هو الذكاء اللامنقطع عن الحياة. كما أنه الذكاء المتضمن للاعتناق والتعاطف الوطيدين. حتى لو تطور الذكاء التحليلي لدى المرأة، فانطلاقاً من قوة ورصانة ذكائها العاطفي؛ فهي تكون أكفأ في اتباع سلوك أكثر اتزاناً وتوازناً وارتباطاً بالحياة، وأكثر بُعداً عن التخريب والدمار. لا يفهم الرجل معنى الحياة بقدر المرأة. والمرأة التي تعني الحياة ذاتها (كلمة "Jin" المنتمية إلى مجموعة اللغة الآرية، تعني في اللغة الكردية "الحياة"، وهي تعني "المرأة" أيضاً في الوقت عينه)؛ إنما هي عبارة عن المهارة والقدرة على رؤية جميع جوانب الحياة بحالتها الشفافة والنقية، والبعيدة عن الرياء والنفاق. ومهارتها هذه راسخة وقوية. ونحن ندرك ذلك جيداً في حياتنا الشخصية أيضاً. الرجل بذاته هو المسؤول الظالم عن المرأة المتصفة بأنها محتالة ومتردية وفاحشة وغيرها من الصفات. إذ ما من امرأة ترى حاجة للقيام بالحيلة أو الفحوش، إن تُرِكَت وشأنها. فلا جسدها، ولا كيانها البيولوجي ملائمان لذلك. الرجل هو المبتكِر الحقيقي للحيل والدسائس والفحوش. كلنا نعرف أن أول بيت دعارة مشهور افتُتِح في نيبور، عاصمة السومريين، في أعوام 2500ق.م، تحت اسم "مصاقدين". وكانت سلطة الرجل هي التي افتتحته. مع ذلك فالرجل لا يخجل من التذكير دوماً بالفحوش، وكأنه من ابتكار المرأة. بل ولا يُنقِص من عصا الضرب وممارسة المجازر على المرأة ولعنها وسبّها بكل ما يخطر على البال من وسائل؛ بعد أن يرمي بأثره هو، وبالجُرم الذي ابتكره هو، على عاتق المرأة، ويطوِّر – بناء عليه – مفهوم الشرف المزيف. النتيجة التي يمكننا استخلاصها من هذا التعريف الملحَق، هي ضرورة الوقوف أولاً في وجه الهجوم الأيديولوجي للرجل. على المرأة أن تتسلح بأيديولوجيتها التحررية المتجاوزة لنطاق الفامينية بمصدرها الرأسمالي؛ وأن تكافح تجاه الأيديولوجية الذكورية المهيمنة. علاوة على أنه يتوجب الإدراك جيداً لكيفية تعزيز قدراتها الذهنية الطبيعية والتحررية في الميدان الأيديولوجي أولاً، إزاء الذهنية الرجولية السلطوية الحاكمة. ولا ننسى هنا أن الاستسلام الأنثوي التقليدي ليس جسدياً، بل هو اجتماعي. وهو يأتي من العبودية المتعشعشة فيها والمهضومة. ما دام الأمر هكذا، فمن المهم التغلب على الأفكار والعواطف الاستسلامية في الميدان الأيديولوجي أولاً. على المرأة أن تعي أنه عندما تتوجه حريتها صوب الميدان السياسي، تكون حينئذ في مواجهة أشد جوانب الصراع حدة ومشقة. وبدون معرفة كيفية إحراز النصر في الميدان السياسي، لا يمكن أن يكون أي انتصار آخر راسخاً أو دائمياً. لا يعني الانتصارُ في هذا الميدان حركةَ تدوُّل المرأة. بل وخلافاً لذلك، يعني الصراع مع البنى الدولتية والهرمية، وخلق كيانات سياسية لا تهدف إلى الدولة؛ بل تكون ديمقراطية تهدف إلى حرية الجنس وبناء المجتمع الأيكولوجي. فالهرمية والدولتية هما أكثر الظواهر تضارباً وتنافراً مع طبيعة المرأة. انطلاقاً من ذلك، على حركة حرية المرأة أن تؤدي دورها الريادي في سبيل تأسيس الكيانات السياسية الخارجة عن نطاق الدولة، والمناهِضة للهرمية. وانهيار وتحطم العبودية في الميدان السياسي، يكون في مضمونه بمعرفة الانتصار في هذا الميدان. يستلزم النضالُ والصراع في هذا الميدان التنظيمَ والنضالَ الديمقراطي الشامل للمرأة. فكل أنواع منظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان والإدارات المحلية، هي الساحات التي سيتطور فيها نضالها وينتظم. وطبقاً لما هي عليه الحال في الاشتراكية؛ فالدرب المؤدية إلى حرية المرأة ومساواتها، تمر من النضال الديمقراطي المظفر والأشمل على الإطلاق. لا يمكن لحركة المرأة العاجزة عن كسب الديمقراطية، أن تظفر بحريتها ومساواتها. يشكِّل واقع الأسرة والزواج المشكلة الأهم بالنسبة للحرية في الميدان الاجتماعي. إنهما أشبه ببئر بلا قاع. وهاتان المؤسستان الباديتان وكأنهما سبيل الخلاص للمرأة، ليستا في معناهما سوى الانتقال من قفص إلى آخر، بسبب الذهنية الاجتماعية الحالية. بل وبالاضطرار لتَرْك شباب المرأة الحيوي والعنفواني لرحمة ذهنية قصّاب ظالم. من الضروري رؤية الأسرة كانعكاس (صورة) للمجتمع الفوقي (مجتمع السلطة) داخل الشعب، وكمؤسسة عميلة له. الرجل هو ممثل السلطة الموجودة داخل المجتمع، ضمن العائلة؛ والتعبير المكثف لها. في الحقيقة، عندما تتزوج المرأة فهي تُستعبَد. إذ من العصيب تصور وجود مؤسسة استعبادية أخرى بقدر ما هي عليه مؤسسة الزواج. والعبوديات الأشمل بمعناها الحقيقي، تتأسس مع هذه المؤسسة، وتستمر في الأسرة مع تجذرها فيها أكثر فأكثر. نحن لا نتكلم هنا عن الحياة المشتركة. فهذه نقطة يمكن أن تكسب معناها وفقاً لمفهوم كل شخص في الحرية والمساواة. بل نتكلم عن الزواج والأسرة بمعانيهما التقليدية الكلاسيكية المترسخة، والتي لا تعني سوى التملُّك الأكيد على حساب المرأة، وانسحابها من كافة الميادين السياسية والذهنية والاجتماعية والاقتصادية، وعدم قدرتها على لململة أشلائها بالسهولة المتصوَّرة. قد تؤدي الزيجات والعلاقات القائمة، والنابعة من الضوائق الفردية والغرائزية ومن مفهوم الأسرة التقليدية، دوراً يماثل أخطر أنواع الانحرافات على درب الحياة الحرة؛ ما لم تتوطد مقومات الحياة المشتركة الديمقراطية والحرة الهادفة إلى حرية الجنس، بعد تمرير الأشكال الموجودة منها من محاكمة راديكالية أساسية. تتمثل الحاجة الماسة في الأمر في تحليل الذهنية والميدان الديمقراطي والسياسي، بغرض الترسيخ الكامل لحرية الجنس، وإبراز إرادات الحياة المشتركة الملائمة لذلك، والمنسجمة وإياه. أما موضوع العشق الذي تتداوله الأفواه كالعلكة بالأكثر في عالمنا الراهن؛ فهو يشهد أكثر مراحله خزياً وافتقاراً للمضمون والمعنى. إذ لم تسقط مرتبة العشق تحت الأقدام بهذه الدرجة في أي مرحلة أخرى من التاريخ. فحتى أخطر نماذج العلاقات وأقبحها وأكرهها، تسمى بالعشق؛ بدءاً من العشق اللحظي وحتى أكثر التقربات إباحية للجنس. لا يمكن تصوُّر علاقة مطبِّقة لمفهوم حياة النظام الرأسمالي بأفضل حال، أكثر من تلك العلاقات. إن ظواهر العشق الراهنة هي اعتراف صريح لا غبار عليه للأحوال التي وقعت فيها الذهنية التي فرضها النظام الحاكم على المجتمع والفرد، حتى في أقدس الميادين. إحياء العشق هو أحد أصعب المهام الثورية. إذ يتطلب الكدح العظيم والتنور الذهني والحب الإنساني. ومن أهم شروط العشق: أولاً: النظر إلى العصر ضمن آفاق الحكمة، والحذو حذوها. ثانياً: فرض السلوكيات العظيمة إزاء طيش النظام وتهوراته. ثالثاً: القبول باستحالة تواجه الجنسين أو النظر إلى بعضهما البعض في حالة غياب الحرية والتحرر؛ وهضم ذلك كسلوك أخلاقي أساسي. رابعاً: أسْر الغريزة الجنسية وضبطها بموجب متطلبات النقاط الثلاثة السابقة. بمعنى آخر؛ يجب الإدراك يقيناً بأن أية خطوة تُخطى على درب العشق ستكون إنكاراً للعشق؛ ما لم ترتبط الغريزة الجنسية فيها بالحكمة وبأخلاق الحرية وحقيقة النضال والصراع السياسي والعسكري. كل من يعجز عن تأمين فرصة يؤسس فيها عشه الزوجي الحر بقدر العصفور الحر الطليق، ويتكلم بالمقابل عن العشق والعلاقة والزيجة؛ إنما يشير بكل جلاء إلى استسلامه لعبودية النظام الاجتماعي السائد، وإلى جهله بالقيم النبيلة السامية لنضال الحرية. إن كان لا بد من الحديث عن حقيقة العشق في راهننا، فهذا غير ممكن إلا باكتساب الشخصيات التي تتجاوز في عشقها ما كان عليه "ليلى ومجنون" بأشواط ملحوظة، وتتخطى كل أهل التصوف، وتتحلى بدقة وحساسية رجل العلم، وتؤدي إلى الخروج من الأزمة الحالية إلى الحرية الاجتماعية، وتبرهن على عشقها ببسالاتها وتضحياتها وانتصاراتها المظفرة. وبإمكان مشاكل المساواة الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية للمرأة أن تلقى الرد اللازم لها بالنجاح الموفق في عملية الدمقرطة؛ عبر تحليل وتفكيك السلطة السياسية أولاً. إذ ما من شائبة في أن الحرية القانونية القحطة والمجدبة، لن تفي بشيء، ولن تكتسب معناها؛ ما لم يُحرَز التقدم على درب الحرية، وما لم يُعمَل بالسياسة الديمقراطية. الأصح هو تناول موضوع المرأة كمسألة ثورة ثقافية. إذ من العصيب إيجاد حل تحرري ذي معاني راقية بالثقافة القائمة؛ مهما كانت النوايا حسنة، ومهما بُذِلَت الجهود الدؤوبة. وذلك بسبب المشكلة القائمة في الظاهرة ذاتها، وبنية العلاقات فيها. واكتساب الهوية التحررية الأكثر راديكالية أمر ممكن فقط بالدنو من المرأة. أو بالأحرى باستيعاب النظام القائم في العلاقات بين الجنسين ككل متكامل، وتخطيه. يجب الإدراك جيداً أنه لا يمكن قطع أي مسافة، ولو بمثقال ذرّة، بمقارنة التحجب بالتقاليد والأعراف، ومقارنة الإباحية الجنسية بالعصرية. إذ ثمة حاجة ماسة لاستيعاب أغوار الحرية وإكسابها إرادتها، بقدر التعمق في أغوار العبودية وتفهمها. على كل القاصرين عن قطع مسافة ملحوظة في درب حرية المرأة، وبالتالي في درب تحرير الذات؛ أن يعرفوا أنهم بذلك لن يكونوا قادرين على إبداء قدرة الحل والتحول في أي ميدان اجتماعي، ولا في مجال الحرية السياسية أيضاً. يجب اعتبار المفهوم القائل بأن كل نضال تحرري عاجز عن تخطي ثنائية "الرجل الحاكم – المرأة العبدة" لن يتمكن من توطيد الهوية الحرة أو اكتسابها؛ كمعيار أولي للحرية. إذ لن تتحقق العلاقة الحرة بين المرأة والرجل، بدون تحطيم علاقة المُلكية والسلطة المسلَّطة على المرأة،. من الواقعي أيضاً اعتبار قرننا بأنه المرحلة الاجتماعية التي ستتصاعد فيها إرادة المرأة الحرة. لذا، يتوجب التفكير في المؤسسات الراسخة اللازمة للمرأة، ربما لأجل القرن بأكمله، وتأسيسها. وقد تتولد الحاجة لأحزاب حرية المرأة. حينها ستكون ذرائع تأسيس هذه الأحزاب ومهامها الرئيسية في الوقت نفسه متمثلة في توطيد المبادئ الأيديولوجية والسياسية الأولية للحرية، وإدراجها حيز التنفيذ، والإشراف على ذلك وتسييره. بالنسبة للجماهير النسائية، وبالأخص تلك القاطنة في المدن، يجب تكوين مساحات الحرية لها، لا دُور الالتجاء والاعتصام. وقد تكون "منتديات الثقافة النسائية الحرة" هي الشكل الأنسب، والتي بإمكانها أن تؤدي دور معابد المرأة العصرية كمساحات تشمل الوحدات التعليمية والإنتاجية والخدماتية للفتيات اللواتي تعجز عوائلهن عن تعليمهن. كما أنها تعد حاجة ضرورية وشكلاً ملائماً من أجل الفتيات والنساء، بسبب وجود البنى التعليمية المدرسية الحالية في النظام القائم. يقال أنه لا حياة بدون المرأة. لكن، لا يمكن العيش مع المرأة الحالية أيضاً. فحسب قناعتي، إن العلاقة الذكورية – الأنثوية الغارقة في العبودية حتى حلقها، تُغرِق أصحابها معها أكثر من غيرها من العلاقات. ما دام الأمر كذلك، فما هو منتَظَر من أصحاب العشق الحقيقي للخروج من فوضى النظام الرأسمالي الأخيرة، هو خلق القدرة العظيمة المتمحورة حول المرأة، وتحقيق الانطلاقة بها. أظن أن هذا من أقدس وأنبل الأعمال التي سيقوم بها أبطال العشق الحقيقيين، الذين وهبواً أفئدتهم وعقولهم للعشق بكل طواعية.
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *