parallax background

عبدالله أوجالان: السلطة في الحداثة الرأسمالية

عبدالله أوجالان: الدين، الفلسفة والعلم
May 6, 2018
عبدالله أوجالان: تحرير الجنسوية الاجتماعية
May 6, 2018

تُشَكِّل اصطلاحاتُ المدنيةِ والسلطةِ والدولةِ فئةَ العلاقاتِ الاجتماعية الأعوص تفكيكاً، سواءً في دواخلِ كلٍّ منها

 
أو على صعيدِ تداخلها المتشابكِ فيما بينها. فالمدنيةُ لا تزال موضوعَ جدلٍ دائرٍ بشأنِ تعريفها. أما تحديدُ مكانِ بدءِ ونهايةِ السلطة، وزمانِ وكيفيةِ نشوئها، ومدى ضرورةِ إنهائها؛ فهو تعريفٌ أكثر تعقيداً. فبالرغم من الحديث اليومي عنها بقدرِ عددِ مراتِ شربِ الماء أو تنفسِ الهواء، إلا أنها تأتي في صدارةِ المواضيع التي قَلَّما تُجمِع الآراءُ على تعريفها. ليس لِمُجَرَّدِ أنها لغزٌ مبهَمٌ ومن المواضيعِ الشائكة وحسب، بل ولأنه أُريدَ لها أنْ تَكُون وتبقى كذلك. وقد سُيِّرَت النشاطاتُ الأيديولوجية الجمة في هذا السبيل. فأولُ شرطٍ للشعورِ بالهلع من شيءٍ ما، هو الإبقاءُ عليه لغزاً مبهَماً ومعقداً للغاية. فلو كُشِفَ النقابُ عن وجههم الحقيقي، لَباتوا موضوعَ استهزاءٍ وسخريةٍ لدى الجميع، ولَخَرجوا من كونهم عاملَ هلعٍ وذعر. بالتالي، تذهبُ آمالُ مجموعاتِ المصالحِ المنفعيةِ المستورةِ هباءً. ولَطالما تُروى الأقاصيصُ في هذا الشأن بين الصفوف الشعبية. تَبتَدِئ المدنيةُ أولاً بأقاصيصها الميثولوجية. فبدون أنْ تَأخُذَ الزمرُ المنفعيةُ أو احتكاراتُ فائضِ الإنتاجِ مكانَها في سياقِ مغزى هذه القصص، لن تستطيعَ مزاولةَ السلبِ والسطوِ بالعنف سوى بضعةَ مراتٍ فقط. بناءً عليه، ولتأمينِ ديمومتها ونَيلِ الرضى والقَبول، فهي بحاجةٍ مطلقةٍ للميثولوجيات والدين والحقوق. أما في راهننا، وإلى جانبِ كلِّ هذه العواملِ المذكورة، فهي تسعى للجزمِ بضمانِ استمراريتها وشرعيتها المعترَفِ بها عن طريقِ تأجيجِ الميول الثلاثية (الجنس والرياضة والفن)، والمتاجَرةِ بها عبرَ الوسائل الإعلامية، ومضاعَفةِ التحكمِ بعقولِ ومشاعرِ وعواطفِ المجتمعات من خلالها. قمتُ بدايةً بتقسيمِ تاريخِ الحضارة إلى ثلاثةِ أقسام، وحاولتُ توصيفَ كلِّ مرحلةٍ على حِدى بالخطوط العريضة. وأشرتُ بعنايةٍ فائقةٍ إلى عدمِ إيلائي أيَّ اعتبارٍ ملحوظٍ لأساليب العلموية، وأنها قد تَكُون مفيدةً بشرطِ تأطيرها، وأنه كلما ازدادت قَولَبَتُها ازداد خطرُها المحدق في القضاء على فرصةِ الحياة الحرة. وتَوَخَّيتُ الحيطةَ والحذرَ في تطبيقِ أسلوبِ الشرح السوسيولوجي دون قَولَبَته (بالعلموية والوضعية). وأُنَوِّهُ إلى أني أطرحُ شروحي وتقييماتي بخطوطها العريضة وأمثلتِها الوفيرة للنقاش والمداولة بشتى مناحيها. وأُردِفُ قائلاً أني سأَكُون متيقظاً لعدمِ السقوط في عادةِ التكرار، إلا في الحالات الضرورية جداً. وإلى جانبِ العمل على تحليلِ الحداثة الرأسمالية (والتي تطابِق المدنية في معناها) كَعَصرَنَةٍ رسميةٍ ظافرةٍ بالنجاح في العصر الحديث (منذ القرن السادس عشر الميلادي إلى يومنا)، فقد وجهتُ الانتقاداتِ الشاملةَ للغاية بغرضِ عدمِ تعميمِ الرأسمالية على عصرنا برمته، وفيما يخص مناهضةَ الحداثة أيضاً. وبالإضافةِ إلى مشاطرتي عالِمَ الاجتماع أنطوني غيدنز بخصوصِ تعريفِ العصرية، أوضحتُ أني لا أوافقه الرأيَ تماماً فيما يتعلق بتفسيراته حول موضوعِ "المتقطعات الثلاث"، والتي بَيَّنَها على أنها الرأسمالية، الدولة القومية، والصناعوية. فقد بسطتُ للوسط من خلالِ السرود الفسيحةِ الآفاق والأمثلةِ الغنية كيف أنّ ثلاثتها قد شَهِدَت التقدمَ والرقي من حيث أصولها اعتباراً من مستهلِّ نشوءِ المدنية، وأنها بَلَغَت أوجَ قوتَها مع الحداثة الرأسمالية. أما في هذا البند، فسأتناول بالأكثر علاقاتِ السلطةِ والدولة في ظلِّ الحداثة الرسمية (أسمي الحداثة أو العصرنة غير الرسمية بالعصرانية أو الحضارة الديمقراطية. فجميعُها مرادفة لبعضها)، وكيفية تَكَوُّنِها على نحوٍ ملموسٍ أكثر. 1ً- يُقَيِّم علماءُ الاجتماع الوضعيون (أنطوني غيدنز وأمثاله) كلَّ مرحلةٍ من مراحلِ التاريخ الحضاري ونماذجه الفريدة على أنها لا مثيلَ لها، معتقدين بذلك أنهم يُنَظِّرون لِعِلمِ الاجتماع. وعلى سبيل المثال، فهم لا يَتَلَكَّؤون في القيامِ بآلافِ البحوث والدراسات في سبيلِ تحليلِ وتعريفِ المدنية والدولة الإنكليزية على أنها فريدةٌ من نوعها في التاريخ، وأنها ضربٌ من ضروبِ الدولة والمدنية الخاصة بإنكلترا وحسب. إنّ البحثَ لدى هؤلاء أَشبَهُ بالرمالِ في البحار! في الحقيقة، ثمة تحريفٌ جِدُّ دقيقٍ مطبَّقٌ على هذا العمل المسمى بالعِلم. إنه – على سبيل التشبيه – كأنْ تُخفِي الغابةَ بإبرازِ الأشجار! إذ لن نستطيع تعريفَ الغابة بتركيزِ بحثنا وتدقيقنا على ملايينِ الأشجار كلٍّ على حِدى. واضحٌ منذ البداية عقمُ هذا الأسلوب في الوصولِ إلى النتيجة الصحيحة. ولكن، يَبدو أنه لا بأسَ أو ضَير في اتباعِ سياسةِ استثمارِ عشراتِ الآلاف من الشباب وتسخيرهم للتغاضي عن الطبائع والصفاتِ الحقيقية للنظام القائم في ظلِّ مزاعمِ التنظير لمثلِ هذا النوع من علمِ الاجتماع. هكذا تُفَرَّغ علومُ الاجتماع، أو السوسيولوجيا باسمها العام، من مضامينها ومعانيها. الصوابُ هو أنّ الدولةَ والسلطة والمدنيةَ الإنكليزية أيضاً ليست سوى واحدةٌ من ممثلي السلطة المهيمنة للمدنية، التي تُعَدُّ النهرَ الأمَّ المتدفقَ منذ خمسةِ آلافِ عام. حيث تتميز بسياقِ التطور المتسم بالمزايا والطبائع الأساسية الواضحةِ المعالِم (الدولة باعتبارها تتألف من الطبقة والمدينة والاحتكار الاقتصادي)، وتتخذ لنفسها شكلاً جديداً مُرَمَّماً من احتكاراتِ الدولة الاقتصادية وفق الطبقاتِ المتنامية حول المدن المنتعشة مجدداً اعتباراً من القرن العاشر، فتبرز بدايةً على شكلِ الملوك والأرستقراطيين، ثم في هيئةِ البورجوازية اعتباراً من القرن السادس عشر، وتَلتَحِفُ بمختلفِ أنواعِ الأردية الأيديولوجية جاعلةً من نفسها لغزاً خفياً عن الأعين أو مغزىً عويصَ الإدراك، مستفيدةً في ذلك من مئاتِ القيمِ الرمزية التي تُزيد من غموضها، لتصلَ على هذا النحو إلى يومِنا الراهن. كلي ثقةٌ بأنّ هذا التعريفَ المحشوَّ في جملةٍ واحدةٍ يساعدُ في فهمِ كتلةِ العلاقات الإنكليزية المعقدة (الدولة) على نحوٍ أفضل مما تقدمه عشراتُ الآلاف من البحوث القائمة. إذ لا أرى فرقاً جدياً من حيث المضمون (أي، على صعيدِ مجموعات المصالح الأولية المستور عليها) بين اعتمادِ الرهبان السومريين على حركاتِ النجوم في تفسيرِ شؤونِ المجتمع وتدوينها على عشراتِ الآلافِ من الألواح الطينية، وبين تفسيراتِ عشراتِ الآلاف من الرهبان العلمويين في الحداثة الرأسمالية. الخِلاف هو أساليبُ البحوث وزمانها ومكانها، لا غير. واضحٌ جلياً – مثلما بَيَّنَّا بأهميةٍ فائقة – أنّ فارقَ الزمان والمكان يعني التغيرَ والتطورَ المسمى بالنشوءِ والتكون على الصعيد الكوني. والمجتمعاتُ أيضاً تتغير وتتطور ارتباطاً بالفارق الزَّمَكاني، مع احتمالِ حصولِ التطورات العكسية نحو الخلفِ طببيعياً. أنا لا أنتقد الحالةَ الخاصة، إذ ما مِن تطورٍ أو تغيرٍ في الكون إلا وله خصوصياتُه. والتكرارُ نفسه ليس مجردَ عقيدةٍ دوغمائيةٍ وحسب. بل إنّ كلماتِ "التكرار المِثلي" تلاعُبٌ لغويٌّ لا معنى له في جميعِ الحوادث الطبيعية. بهذا المعنى، فللحداثة الرأسمالية أيضاً خصوصياتُها الجَدُّ هامةٍ العائدة لها، والتي تحققت في الميادين الثلاثةِ الهامة، حسبَ تعريفِ أنطوني غيدنز. وتأسيساً على ذلك، قد يَكُون من المفيد اصطلاحَها على نحوِ "المتقطعات". ونظراً لأننا قمنا بتفسيرِ خصائصِ الرأسمالية مدعومةً بالأمثلةِ الخصوصية العائدة لها، فلن أكررَ ثانية. لكن، ثمة حاجةٌ ضرورية ومفيدة للغاية في طرحِ سردٍ موجزٍ وجوهري بشأنِ اصطلاحِ السلطة، وفيما يتعلق بموضوعِ الدولة القومية، باعتبارها التعبيرَ الملموسَ والحقوقي عنها. 2ً- كنا قد قلنا أنّ السلطةَ تحتل مكانةَ الصدارة بين المواضيع التي طالما تطرقَت إليها علومُ الاجتماع، ولكنْ، كثيراً ما تنافسَت فيما بينها لتحريفها وتشويهها أيضاً. ما يُقال هنا ليس انتقاداً معنياً بالمآرب وحسب. ففي مقدمةِ الجوانب الأكثر خصوصيةً للحداثة الرأسمالية، يتأتى نجاحُها المنقطعُ النظير بين جميعِ المدنيات على صعيدِ النطاق والمزايا من مهارتها الفائقة في ترسيخِ حالةِ اعتقادِ كلِّ فردٍ فيها بأنه السلطة، وتصييرِ نفسه على هذا النحو. هذا هو الموضوع الواجب التركيز عليه بالأكثر. وهو نفسه الموضوعُ الذي انكبَّ عليه عالِمُ الاجتماع الفرنسي ميشيل فوكو أكثر من غيره، ولكنه عجزَ عن تحليله والتغلب عليه كلياً. هذا وجَهِدَ لينين للتعرف على الدولة من خلالِ مأثورهِ "الدولة والثورة". ولكنْ، تبدى للعيان منذ أنْ كان على قيدِ الحياة، أنّ النقطة التي أَخطأَ فيها بالأكثر كانت الدولة. أما السلطة، فلم يرغب البتة في التعرف على ماهيتها. علاوةً على عجزه عن إدراكِ أنّ الرجلَ القوي الماكر قد تَخَفَّى تحت شتى الأقنعة المدنية، حاملاً "الحجرة السحرية" على كاهله للوصول إلى راهننا، وقائماً منذ البداية على إفراغِ الاشتراكية – التي تُعَدّ النشاطَ الاجتماعي الأولي الواجب تشييده كلياً بموجبِ العصرانية الديمقراطية – من خلال "السلطة الاشتراكية". إني أستَشِفُّ المعانيَ القيمة من عبارةٍ تَلَفَّظَ بها ميخائيل باكونين، والتي مفادها تقريباً: "ضعوا تاجَ السلطة على رأسِ الرجل الأكثر ديمقراطية، فسيتحول إلى أنذلِ ديكتاتورٍ خلال أربعٍ وعشرين ساعة" أو "سوف تُفسَد أخلاقه". إنّ التشريعَ والتنظير السوسيولوجي للسلطة لا يزال المَهَمّةَ العلميةَ الأولية التي تقتضي التحليلَ الشامل. فمن أكثر المواضيع غموضاً على الصعيد الاجتماعي هو ما تَكُونه السلطة، ومدى الحاجة أو عدمِ الحاجة إليها. فحسبَ رأيِ بعضِ العقول ومجموعاتِ المصالح المتسترة تحتها، السلطةُ المطلقة تعني الحلَّ المطلق. يبدو أنّ الرأيَ الآشوري كان هكذا تماماً: القضاء على الهدف كلياً. هذا وثمة مَن يَرَى السلطةَ داءً عُضال. الفوضويون والسلبيون هم هكذا بالأخص. فحسب رأيهم، يجب الهربَ من شتى أنواعِ القوة والاقتدار، وكأنك تهرب من وباءٍ مميت. في الحقيقة، هذا المفهوم هو الشكلُ الموضوعي للاستسلام للسلطة. إنّ التعريفَ والحل اللذَين يَعرِضهما نظامُ الحضارة الديمقراطية مختلفان نوعياً. فالدفاعُ عن النفس حقٌّ مقدس لأجلِ كلِّ مجموعةٍ اجتماعية. فالتمتعُ بقوةِ الدفاع إزاء كلِّ أنواعِ الاعتداء على وجودِ الجماعة وقِيَمِها التي يتأسس عليها وجودُها، إنما يتخطى نطاقَ الحق، لِيغدوَ علةَ الوجود نفسه. إني على قناعةٍ باستحالةِ نعتِ قوةِ الدفاع بمعناها الكلاسيكي بالسلطة. قد يَكُون من الأنسب تسميتها بقوةِ أو اقتدارِ الدفاع الديمقراطي. عندما نضع نصبَ العين كيف تسعى الوردة (وهي نبتة) للدفاعِ عن نفسها بأشواكها، لا أتمالك نفسي من تسميةِ براديغما الاقتدار الديمقراطي هذه بـ"نظرية الوردة". أ‌- التعريفُ الأنسب للسلطة تأسيساً على المدنية هو القول بأنها عبارة عن توظيفِ جميعِ أنواعِ النشاطات الاجتماعية بهدفِ جنيِ فائضِ الإنتاج، ومضاعَفَتِه، والاستيلاءِ عليه. فإذا كانت النشاطاتُ الجارية تفيد في اختلاسِ وتسريبِ فائضِ الإنتاج والقيم الاجتماعية، فسيَكُون ممكناً تسميتها من حيث التحليل الأخير بالنشاطات السلطوية؛ بدءاً من النشاطاتِ الأيديولوجية إلى العسكرية، ومن حكاياتِ ما قبلَ النوم إلى الإبادات العرقية، ومن ألاعيبِ اللهو والتسلية إلى الطقوسِ والشعائر الدينية. بهذا المعنى، فالسلطةُ ميدانُ نشاطاتٍ اجتماعيةٍ متراميةِ الأطراف والأُطُر. ونخصُّ بالذكر أنّ السلطةَ ضمن المجتمعات المدينية تنزع إلى التضاعف المستمر شاقولياً وأفقياً بما يتناسب ونسبةَ فائضِ الإنتاج. إذا ما سَلَّطنا الضوءَ على مصطلحِ فائضِ الإنتاج والقيمة، فسيتم استيعاب ماهيةِ السلطة على نحوٍ أفضل. فإذا ما أمعنّا النظرَ في عمليةِ الاستيلاء بالقوة على المنجزات والمكتسبات الماديةِ والمعنوية للأشخاص والمجموعات، وبشكلٍ عام على كافةِ قِيَمِهم الثقافية، وإذا ما أمعنّا كذلك في مدى الحالة المتمأسسة لهذه العملية متجسدةً في "فن السلطة"؛ فسيتجلى بشكلٍ ملموس ما هو "المستولى عليه" ومن هو "المستولي". بناءً عليه، فالسلطةُ عمليةُ وفنُّ الاستيلاءِ والسطوِ الدائم وبالقوة على الأشياء، والاعتقادِ بأنها لها (رغم أنها ليست كذلك)، والصهرِ، والتملكِ، والتوطين. أما في الحالات المعاكسة، فهي عمليةُ وفنُّ الطردِ بالقوة، النفيِ، التهجيرِ، البطالة، التجريد من الملك، وبشكلٍ عام التجريدِ من القيمِ المادية والمعنوية. إنّ تحديدَ ذلك في فائضِ الإنتاج والقيمةِ داخلَ المجال الاقتصادي وحسب، تناوُلٌ ضيق للغاية. فالسطوُ في هذا الشأن هو الأصل. لكنّ هذا المسارَ مليءٌ بالآلاف من القِيَمِ الأخرى التي تستولي عليها قوى السلطة، وبالتالي، فتسميةُ مجموعِ عملياتِ الاستيلاء والسطو هذه بالسلطة هو الأكثر واقعية. أما الوظيفةُ الأساسية للاقتدار الديمقراطي، فتتجسدُ في الدفاعِ عن وجودِ الأشخاص والمجموعات المعنية، وعن كافةِ القيم المادية والمعنوية المتعلقة بوجودهم عليها مباشرةً أو بشكلٍ غير مباشر، وعدم التغاضي عن الاستيلاء عليها، واستردادها في حال كونها مسلوبة؛ وغيرها من الحالات الإيجابية والضرورية والمحقة التي يصعب الاستغناء عنها. وبموجب هذا المضمون، فالاقتدارُ الديمقراطي هو فنُّ التطبيق العملي بناءً على ذلك. وفيما يخص فحواها، فسيَكُون من الأصح القول بأنها قوةُ ردعِ السلب والسطو، وعمليتُها الفنية. ثمة فرقٌ أنطولوجي (وجودي) فيما بين أنشطةِ أو فنونِ استخدامِ القوة (الجيش – الحرب) في حالِ كانت تهدف للاستيلاءِ على الوطنِ الأُمّ أَمْ كانت بهدفِ إعاقةِ هذا الاستيلاء. كلاهما اصطلاحان متنافران. ويُعَبَّر المجتمعُ بالمقابل عن مثلِ هذه الحالات المتضادة على شكلِ ثنائياتٍ من قَبيل: الفضيلة – الرذيلة، الثواب – العقاب، الصح – الخطأ، الحق – الباطل، والجميل – القبيح. ب‌- بالإمكان تقسيم وتصنيف السلطة بموجبِ وجهاتِ نظرٍ مختلفة: 1- السلطة السياسية: هي الشكلُ الأكثر رواجاً وشيوعاً. وتُعَبِّر عن وظيفةِ الإدارة والتشريع والتنفيذ للدولة وإسقاطاتها (كنماذجِ الأحزاب ومنظماتِ المجتمع المدني التي تأخذ الدولةَ أساساً). وهي الشكلُ المُعَيِّن بنسبةٍ فائقة، إذ طالما رَجَحَت كفتُه في التركيز عليه واللجوء إليه على طولِ مِحَكِّ التاريخ. 2- السلطة الاقتصادية: وتُعَبِّر عن القوى الاحتكارية القائمة على تنفيذِ عمليةِ سلبِ فائضِ الإنتاج والقيمة والاستيلاء عليه. وقد طُبِّقَت الأشكالُ العديدةُ منها في سياقِ التاريخ. 3- السلطة الاجتماعية: وتُعَبِّر عن عمليةِ وتقاليدِ القوة التي تُسَلِّطها الشرائحُ الاجتماعية الأساسيةُ على بعضها البعض. ولها تقسيماتُها العديدةُ الهامة ذات الأصولِ المتأتية من العائلة، الطبقة، الجنس، والأثنية. هذا إلى جانبِ تناوُلِ بعضِها الآخر بشكلٍ منفصلٍ بذاته. فمثلاً؛ الأب في العائلة، نَهَّابُ القيمةِ الزائدة في الطبقية، الرجلُ في التمييز الجنسي، والمضطَهِد المتحكم في التمييز الأثني؛ كلهم يمثلون السلطة. 4- السلطة الأيديولوجية: وتعني الذهنيةَ الحاكمةَ المديرةَ لدفةِ الحكم. الشخصياتُ والمجموعاتُ الرفيعة المستوى في العلاقات العلمية والثقافية هي في منزلةِ السلطة الأيديولوجية. 5- السلطة العسكرية: وهي المؤسسةُ الأولى في تكافؤها مع السلطة. هي شكلُ السلطة الأكثر تطرفاً، والأكثر لااجتماعية، والأكثر لاإنسانية. إنها أُمُّ جميعِ السلطات (أو بالأحرى أبوها). 6- السلطة الوطنية: وهي السلطةُ المركزيةُ السارية ضمن إطارِ الأمة. وتحرص على التعبير عن ذاتها على أنها واحدةٌ لا تتجزأ. يمكن نعتها بالهيمنة الوطنية أيضاً. 7- السلطة الكونية: وتُعَبِّرُ عن مستوى هيمنةِ المدنية أو الحداثة أو إمبراطوريتها. والحداثةُ الرأسمالية في حاضرنا تستخدم سلطتها هذه بريادةِ الولايات المتحدة الأمريكية من خلال الاحتكار الاقتصادي العالَمي والدول القومية. هذا وبإمكاننا الاستطراد أكثر في مثلِ هذه التقسيمات. 3ً- السلطةُ هي مجموعُ العلاقاتِ التاريخية والاجتماعية والمؤسساتية. تتربع على الميادين والأنسجة الأكثر حيويةً في مسارِ التاريخ وسياقِ التطور الاجتماعي، وتعمل على جعلِ نفسها تقاليدَ وأعرافاً لا تتزعزع. فالأعرافُ التقليديةُ تَحمِلُ معنى التمأسس أيضاً. والسلطاتُ هي ميدانُ العلاقاتِ الاجتماعية الأكثر تَمَأسُساً، وتتطلب الحساسيةَ والحرص، بل ومرتبطةٌ بمراسمِ الأعرافِ السياسية. فنظراً لتوظيفها وتفعيلها الكبير على يدِ المعنيين بها والمزاولين إياها، يُعَدُّ توثيقُ تمأسسها وأشكالها بالأعراف السياسية أمراً حياتياً من حيث تأمينِ ديمومتها وتمثيلها. وعلى سبيل المثال، إنّ تشييدَ سلطاتِ السلطنة، واستلامها وتسليمها، والاستيلاء عليها؛ جميعها قد رُتِّبَت ونُسِّقَت بالأرديةِ والرموز والأعراف والبروتوكولات الكبرى. فبدءاً من الألبسة والهندام إلى المأكل والمشرب، ومن طرقِ الزواج إلى الموت؛ كلُّ علاقةٍ لها أشكالُها التقليدية وأعرافُها المعمرة آلافَ السنين. انطلاقاً من هذه الأسباب، ليس بمقدورِ كلِّ شخص أنْ يصبح سلطةً بالقوة التي يطلبها. وإلا، سيُقال حينها أنه أصبح مستبداً أو قاطعَ طريق. في الواقع، إنّ الجوهرَ الحقيقي والأكثر انكشافاً للسلطة يُعَبِّرُ عن الاستبداد وقطعِ الطرق كالأشقياء. لكنّ مؤسسةَ السلطة المقدسة المُبَجَّلة ترى في محاربةِ هذه الأشكال العلنية من السلطة بكلِّ صرامة، ضرورةً اضطراريةً لا مفرَّ منها للحفاظ على ديمومتها وتبجيلها، وتلافياً لقولِ "سقطت القبعة وبانت الصلعة". إنها تَعِي تماماً أنّ نسبةً هامةً من شرعيتها قد تَحَقَّقَت عبر هذه الأعراف والرموز التقليدية. أودُّ التذكيرَ بتشبيهٍ كنتُ قد ذكرتُه في مرافعتي السابقة. إنّ السلطةَ، التي هي مجموعُ الاحتكاراتِ المصلحيةِ المكتسِبةِ نوعيةً تاريخيةً بارزة في المجتمع المديني، أشبَه ما تَكُون بالكرةِ الثلجيةِ المتدحرجةِ من أعلى قمةٍ جبلية. فكلما تَهاوَت كَبُرَ حجمُها وازدادت سرعتُها. 4ً- بالمقدور استيعاب السلطة على نحوٍ أفضل من خلالِ تشبيهها بالمرض المُعدِي أيضاً. أي أنّ السلطةَ مُعدِية. هذه العدوى الاجتماعية، التي مارسها بدايةً "الرجلُ القوي الماكر" لوحده على حيواناتِ الصيد، ثم على النساءِ الأمهات الخبيرات؛ قد تَحَقَّقَ تمأسسُها في النظام الأبويِّ الهرمي أولاً على يدِ الثالوث: الراهب (الشخص صاحب المعاني) + الإداري الحاكم (الذي يدير المجتمع بتجاربه) + القائد العسكري (الذي يحتكر القوة). ومع بناءِ الطبقات والمدن تَمّ تَدَوُّلُها. أُنَوِّهُ هنا على الفور إلى أهميةِ عدمِ الاعتقاد أنه بتمأسسِ سلطةِ الدولة قد زال معها النظامُ الأبوي الهرمي للرجل الماكر القوي. يمكننا صياغة معادلةِ السلطة هذه المرة على الشكل التالي: السلطة = الرجل القوي الماكر + النظام الأبوي الهرمي + الدولة. هذه المؤسساتُ الأولية تُعَبِّرُ عن مجتمعِ السلطة. وبإرفاقِ عددٍ جَمٍّ من الكيانات التحتية والفوقية إلى هذا النظام، نسمي الصنفَ العام الناجمَ عنه بالمدنية. ففي الطابق السفلي هناك الاقتصاد. وفي الطابق العلوي يَقبعُ مجلسُ الآلهة. هكذا أنشأَ السومريون المدنية. وقد تَغَيَّرَ شكلُها مع الزمن، إلا أنها حافظت على جوهرها مع تزايدٍ في معانيه. وعلى مرِّ التاريخ، خُصِّصَ الطابقُ السفلي للأداةِ البشرية المستخدَمةِ في إدرارِ فائضِ الإنتاج، وفي المقدمة يأتي العبيد، الأقنان، والعمال. أما الحِرَفِيّون والمزارعون وغيرهم من الشرائحِ المسماة بأصحابِ المهن الحرة، فيمكثون أساساً في هذا الطابق مشرفين فيه على العمل والإجراءات التنفيذية. وفي الطابق العلوي تمكث الآلهةُ الميثولوجية الأحادية (وقد يجلس فيه أحياناً السلطان الذي هو ظل الله، أو النبي الذي هو رسول الله، وأحياناً الشامان والراهب)، والأفكارُ والقوانينُ المديرة لدفةِ الحكم (حسب ادعاء أفلاطون). بينما حَكَمَت السلطاتُ في العصور القديمة والوسطى اعتماداً على هذه المؤسسات الأساسية بالأغلب، وفي هيئةِ الدولة خصوصاً؛ فقد أُصِيبَ المجتمعُ بِرِمَّتِه بِعَدوى السلطة في عصرِ الحداثة الرأسمالية. بمعنى آخر، أصابت المجتمعَ كله عدوى الاعتقاد بأنه صاحبُ السلطة. إنّ نشرَ السلطة واستفحالها من خلالِ المؤسساتِ الجدِّ هامة، والتي قال فيها أنطوني غيدنز "الفترات المتقطعة"، ظاهرةٌ خاصةٌ بالحداثة الرأسمالية، وإنْ كانت حالةً مَرَضِية. وتؤدي بعضُ الأيديولوجيات والمؤسسات دوراً مُحَدِّداً في هذا السياق. سوف أتناول هذه الخصائص في القسم اللاحق. لا ريب في أنّ إصابةَ المجتمع كلِّه بِعَدوى السلطة لا تقتصر في معناها على أنها قد تعززت كثيراً. بل وتعني في الآن نفسه أنّ هذه السلطةَ غدت عاجزةً بائسة، وأنها شارفت على الحالةِ والسرعةِ الأخيرة من مسارِ التشتت والانحلال. فأيَّما كان الشيء، عندما يصل حَدَّه الأخير، يحصل أمران: إما أنْ يَقومَ المعنيُّ به بما تقتضيه حالتُه الأخيرة، أو أنْ يدعه وشأنه فيتفكك ويتفسخ. وعلى سبيل المثال، ما يتطلب عمله عندما تَصِل التفاحةُ مرحلةَ نضوجها واحمرارها، هو قطفها من الغصن. أما إذا لم يتم ذلك، ومضت فترةٌ أخرى من الوقت، فسوف تتفسخ التفاحة، ويدخلها الدود، وتتمزق، وتفنى. قد يَكُون التشبيهُ فظاً، لكنه سارٍ على السلطة أيضاً. وبالأصل، فعندما شُيِّدَت السلطةُ بالتزامن مع الحداثة الرأسمالية، أي عندما غدت حالةً مَرَضِيَّةً، فهذا يعني بلوغَها مرحلةَ التفسخ والنتونة. لقد تَعَفَّنَت لدرجةِ أنّ الرجلَ الدَّمِثَ الأخلاق والأسلمَ بنيةً إذا ما اقتربَ منها أَردَتْه مريضاً على حدِّ تعبيرِ باكونين. في الحقيقة، مفادُ هذا الحكم كالتالي: "عندما تضع السلطةُ تاجَها على رأسِ أكثرِ الرجال ديمقراطيةً، تجعله أكثرَ الديكتاتوريين سفالةً خلال أربعٍ وعشرين ساعة". هذا صحيح. ضَعوا مثلاً تاجَ السلطة المتعفنة على رأسِ أكثرِ النساء تعرضاً للسحق والظلم، فهي أيضاً ستغدو ديكتاتورةً خلالَ أربعٍ وعشرين ساعة فقط. من هنا، فالسبيلُ الوحيدُ للوقايةِ من هذا المرض وسدِّ الطريق أمام هذا التفسخ، إنما يمرُّ مِن إنشاءِ نظامِ العصرانية الديمقراطية.
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *